)


على شرف الذكرى ال51 لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، أحد فصائل العمل الوطني والكفاحي، والتي تميّزت بفِعلها النضالي ضدّ العدو الصهيوني المُحتلّ في مُختلف مراحل المسيرة الوطنية، سيّما الكفاح المسلح، فكانت الجبهة رائدة عمليات خطف الطائرات وتفجير المطارات واقتحام السفارات في سنوات الستينات والسبعينات، كما تُعتبر أوّل فصيلٍ فلسطينيّ يغتال وزيرًا صهيونيًا.

 ويُضاف لتميّز الجبهة الشعبية أنّها أوّل من أطلق الهاون والصواريخ على مُستعمرات العدوّ في محيط قطاع غزّة، بعد اندلاع انتفاضة الأقصى "الثانية" بالعام 2000.

في السطور التالية، لأول مراحل التصنيع العسكري في الجناح المُسلّح للجبهة الشعبية "كتائب الشهيد أبو علي مصطفى"، والذي كان يُعرف باسم "قوات المقاومة الشعبية"، قبل أن يتغيّر ويحمل اسم الشهيد أبو علي الأمين العام للجبهة، الذي اغتالته "إسرائيل" بصاروخ "أباتشي" استهدف مكتبه بمدينة البيرة، يوم 27 أغسطس. وتستقي هذه المادة التوثيقية المعلومات الخاصّة بالجناح المُسلّح من أحد الرفاق المؤسسين له، ونرصد فيها أبرز ما يُسجَّل للجبهة الشعبية من إنجازاتٍ على صعيد التسلّح والتصنيع العسكري، خاصةً في السنوات التي تلت انتفاضة الأقصى 2000.

باندلاع انتفاضة الأقصى، واتّخاذها الطابع العسكري، اتّجهت الفصائل إلى تفعيل أجنحتها العسكرية، ومنها الجبهة الشعبية التي اتّخذت قراراً بتشكل قوّات المقاومة الشعبية، وكلّفت عددًا من رفاقها بقيادة هذه القوّات، وتنسيب عناصر لها، ومن ثمّ تسليحها"

لم يكُن تسلّح رفاق الجبهة في ذاك الوقت بأفضل حال، بدأ الذراع العسكري "قوات المقاومة الشعبية" بتجميع قطع السلاح المُتوفّرة لدى الرفاق القُدامى في قطاع غزّة، وكان عدد ما تمكّنت قيادة القوات من جمعه لا يتجاوز 6 قطع من نوع "كارلو" و"كلاشين" ومُسدس، ومنها ما كان غير صالحٍ للاستعمال. لذا تمّ تخصيص موازنة مُتواضعة لهذه القوات وشراء قطع أخرى من السلاح.

ظلّت قطع السلاح المعدودة، ولعدّة شهور، تتنقّل بين رفاق الجبهة في مختلف محافظات القطاع، كلّما أرادت القوات تنفيذ عمليّة فدائية ضدّ قوات الاحتلال ومُستوطنيه. إلى حين بدأت أوضاع "التسلّح" بالتحسّن.

بدأت "قوات المقاومة الشعبية" عملها النضالي الفعلي في آنٍ واحدٍ مع كلّ التنظيمات، إلّا أنّها طوّرت من قدراتها بشكل لافتٍ وفارق، خلال وقتٍ قصيرٍ نسبيًا، عقب اندلاع الانتفاضة.

الفترة القصيرة التي سبقت تفجّر الانتفاضة، لم تكُن بقيّة الفصائل الفلسطينية تُولي اهتمامًا كبيرًا بالجانب العسكري "التسلّح"، بفعل عدّة عوامل أبرزها "الهدوء" الذي شهدته تلك الفترة ما بعد توقيع اتفاق أوسلو بالعام 1993 وتأسيس السلطة الفلسطينية وما تبِعها من انشغالٍ بتشكيل الحكومة والوزارات المختلفة، حتى انغرست الغالبية العُظمي بالحياة السياسية والاجتماعية، في ظلّ "تهدئة" مع الاحتلال الصهيوني بحُكم "اتفاقية السلام" سيّئة الصيت والسمعة. وباندلاع الشرارة الأولى لانتفاضة الأقصى، عقب اقتحام رئيس الحكومة الصهيوني –في حينه- أرئيل شارون المسجد الأقصى، عادت التنظيمات الفلسطينية المعنيّة بالمقاومة لتشكيل أجهزتها العسكرية.

وصولًا إلى مطلع العام 2001، ومع اشتداد وقع انتفاضة الأقصى والعمليات الفدائية التي تخلّلتها، خاصةً الاستشهاديّة منها، اتّجهت "إسرائيل" لعزل مستوطناتها في غزّة، بتوسيع المساحة حولها لأكثر من كيلو متر مربع، بهدف منع تسلّل الفدائيين واقترابهم من تلك المُستعمرات. في الوقت الذي لم تكُن فيه فصائل المقاومة آنذاك تمتلك أسلحة، سوى العوزي والكارلو واللذان لا يتجاوز مداهما بضعة مئات من الأمتار، وفي أفضل الأحوال امتلكت الفصائل في حينه سلاحيّ الكلاشينكوف والـM16 بأعداد محدودة، وبالتالي وجد المقاومون صعوبات كبيرة في تنفيذ عملياتهم ضدّ جيش الاحتلال والمستوطنين في تلك الفترة، إذ باتت أيّة عمليّة تسلل لتلك للمستوطنات مكشوفة أمام أبراج مُراقبة العدوّ وأسلحته ورصاصه، وقد ارتقى عدد كبير من الفدائيين نتيجة ذلك. وعليه، كان لابدّ من البحث عن وسائل وأدوات قتاليّة بديلة، من كافّة التنظيمات، وهُنا كان السبَق لقوّات المقاومة الشعبية.

بدأت قوّات المقاومة الشعبية في الجبهة التفكير بالهاون –سلاح مدفعي قليل التعقيد بعيارات مختلفة- وبالتالي اتّجهت للبحث عن رفاق خبراء في تصنيع الهاون، وتمكّنت خلال فترة لا تتجاوز 4 شهور من تصنيع أوّل مدفع هاون في قطاع غزّة، وكان بعيار 80 ملم، وبمدى بين 2000-3000 متر.

تخلّل فترة الـ4 شهور الأولى التي تكلّلت بتصنيع مدفع الهاون صعوبات جمّة، تجاوزها رفاق الجبهة بشقّ النفس، إذ لم يكُن في قطاع غزة خبراء في مجال تصنيع القذائف المدفعية، التي تمرّ بعدّة مراحل خلال تصنيعها، ابتداءً بتوفير المواد الخام اللازمة ومن ثمّ عمليات الخراطة والحدادة وسكب العبوّات، لذا حتّمت الضرورة الاستعانة بتُجار عاديّين وحدادّين وعمّال، من خارج الدائرة –لا صلة لهم بالجبهة أو الجناح المُسلّح- وهو ما شكّل تحدّيًا صعبًا، من الناحية الأمنية.

"وبهذا الإنجاز استبقت قوات المقاومة سائر الفصائل، إلّا أنّه لم يحظَ بالتغطية الإعلامية المُنصفة، والسبب يعود لتواضع إعلام الجناح المُسلّح في تلك الفترة".

تلا هذا تدريبُ عددٍ من الرفاق على استخدام الهاون والزوايا والاتجاهات وتقدير المسافات والأهداف على يدِ أحد الرفاق القُدامى، ومن ثمّ تصنيع مزيدٍ من المدافع والقذائف وتوزيعها على مختلف محافظات القطاع. وشهدت تلك الفترة، من العام 2001، إمطار مُستوطنات العدوّ الصهيوني بمئات قذائف الهاون.

لم يقف رفاق الجبهة عند هذا السبَق بل مضوا في مسيرة التسلّح والتصنيع والتدريب العسكري، فعكف الجناح المُسلّح للجبهة على تدريب رفاقه وتم إرسال عدد منهم للتدرّب خارج القطاع.

وفي توجهٍ نحو الاستقلاليّة في التصنيع وتوفير المواد الخام، أخذت قيادة الجناح العسكري للجبهة قراراً بضرورة تشكيل "دائرة الهندسة والتصنيع"، لتجنّب اللّجوء إلى التجّار والمُصنّعين من خارج الدائرة، وتأسّست بالفعل، بما يُراعي كافة الاحتياط الأمنية، إذ تمّ تخصيص قطعة أرض للتصنيع فيها، جرى تمويهها بشكل جيّد لحماية الرفاق بداخلها، كما تمّ تأمين طرق ووسائل خاصّة لنقل وحركة الرفاق والأسلحة المُصنّعة، إذ كان الاحتلال يُشدّد من مراقبته للمقاومة وتتبّعه لتحركاتها خلال تلك الفترة.

وفّرت الدائرة مخرطة روسية الصنع، كان يتمّ العمل بها على عُمق عدّة أمتار تحت الأرض، لمواراتها عن أنظار عملاء الاحتلال، وكذلك لتخفيف الصوت الذي ينجم عنها خلال العمل".

صنّعت الدائرة في حينه أعدادًا كبيرة من العبوّات والألغام المحلية الخاصة بالأفراد والمركبات. وبعد تصنيع الهاون، كان التوجّه لتصنيع قذائف "الأنيرجا" وهي قذائف متفجّرة صغيرة الحجم، تُطلق على الأفراد والمركبات، وكانت تمتلكها سائر الفصائل في تلك الفترة. ومن ثمّ التوجّه لتصنيع الصواريخ. وكان أوّل صاروخ صنّعته قوات المقاومة الشعبية صاروخ "صمود". بالتزامن مع تصنيع كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري ل حركة حماس لصاروخ "قسام1".

واستمرارًا لنهج التميّز والسبق في مجال التسلّح وتطوير القدرات القتالية لرفاق الجبهة، أوفدت دائرة الهندسة والتصنيع أحد عناصرها للتدرّب خارج قطاع غزة، وكان في هذا الكثير من الصعوبات من الناحية الأمنيّة وكذلك التكلفة المادّية. وكان ذلك من أجل اكتساب الخبرة في التصنيع الصاروخي، وتحديدًا لهدف تصنيع صاروخ بمدى أكبر ممّا كانت تمتلكه فصائل المقاومة في حينه، وكان الحديث عن مدى يتجاوز الـ20 كلم، في حين كانت كتائب القسام امتلكت صواريخ بمدى 8 كلم.

عاد الرفيق من دورته التدريبية، وأجرت الدائرة تجربتان لتصنيع الصاروخ، إلّا أنّ الأمر لم يُكتب له النجاح، إذ انفجر الصاروخان في المرّتيْن لأسبابٍ فنيّة، ذات صلّة بنوعيّة المواد المُستخدمة واختلافها بين البلد الذي تلقّى فيه الرفيق التدريب وما هو متوفرٌ في قطاع غزة. وكانت تكلفة تصنيع الصاروخ تتجاوز 3000 دولار، وهو ما كان يُوازي موازنة الدائرة كلّها في حينه. لذا تقرّر وقف العمل على هذا النوع من الصواريخ. في الوقت الذي استمرّ فيه العمل على تطوير صواريخ "صمود" وغيرها من الأسلحة القتالية، كالعبوّات الناسفة وألغام الدّروع والمُشاة والمركبات وقذائف الهاون والأنيرجا، وقد اكتسب عناصر الدائرة خبرة كبيرة في هذا المجال، في تلك الفترة.

قبل نهاية 2001 "العام الذهبي" لأداء قوّات المقاومة الشعبية ودائرتها العسكريّة، كانت "إسرائيل" اغتالت الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتأثّرًا بوقع هذه الجريمة على رفاق السلاح غيّرت القوّات اسم الجناح العسكري ليُصبح "كتائب الشهيد أبو علي مصطفى".

نفّذت الكتائب أوّل عملية استشهاديّة لها في قطاع غزة، في اليوم ذاته الذي اغتالت فيه الكتائب في الضفّة وزير السياحة الصهيوني رحبعام زئيفي، ثأرًا لدماء الأمين العام، وكان بطل هذه العملية هو الاستشهادي فؤاد أبو سرّية، الذي اقتحم السياج الأمني الفاصل شرق مدينة غزّة وفجّر أحد جيبّات جيش الاحتلال بعبوّة ناسفة. تلا هذه العمليّة البطولية سلسلة من العمليات التي نفّذتها الكتائب ضدّ جنود ومستوطني العدو الصهيوني، وكانت العمليّات الاستشهادية هي السمة الغالبة للعمليّات الفدائية من مختلف فصائل المقاومة آنذاك.